سهيلة عبد الباعث الترجمان
131
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
والغنوصية « * » الممتزجة ببعض الأفكار المسيحية ، كما فسرها الفلاسفة المسلمون بما يتفق وعقيدتهم الدينية ، فقالوا إن الواحد هو الواجب الوجود بالذات ، وكل ما عداه ممكن الوجود ، كما ذهب المتصوفة في القرن الثالث هجري إلى القول بالاتحاد أو الحلول ، ووجدوا في الاتحاد ما يقودهم حتما إلى القول بوحدة الوجود . يتضح من خلال هذه المقدمة التاريخية لفكرة وحدة الوجود وحدة الفكر الإنساني والتفاعل الحضاري القائم بين الشعوب خلال مراحل زمنية متباعدة مع اختلاف المدلول من عصر إلى عصر . ففي الشرق القديم نتبين كيف نشأت فكرة " وحدة الوجود " في الحضارة الهندية ، وذلك من خلال نشوء الديانة الشعبية القديمة وتحديد إله قدماء الهنود فيها ، وكان ذلك على ضوء ما أسفرت عنه نتائج دراسات علماء الاجتماع للمجتمعات البدائية وعبادتها المتنوعة ، فليس بغريب إذن أن تكون وحدة الوجود لدى الهنود نتيجة عبادة بدائية أسطورية نسجها خيالهم ، فسرى في تلك البلاد عنصر وحدة وجود ساذجة ، لم تلبث أن تحوّلت إلى وحدة وجود فلسفية ، أخذت تقوى مع الزمن حتى عمّ الاعتقاد بها بلاد الهند كافة . لذا لم يجد الكهنة مفرّا من تثبيتها وتسجيلها في الدين الشعبي الجديد « 1 » . وإذا نظرنا إلى هذه الفكرة على مستوى أرفع من الديانة الشعبية ، فنرى في كتاب " براهماناس " أن العبادات إنما توجه إلى كلمة " الكينونة " أو إلى " براهمان " الذي جعله الكهنة مرادفا للكائن الأعلى " إتمان " « * * » ولم تكن هذه النظرة قد ظهرت كجزء من
--> ( * ) الغنوصية : كلمة يونانية الأصل معناها العرفان أو المعرفة ، وقد تطورت واتخذت معنى إصطلاحيا وأصبحت تعبر عن تذوق المعارف تذوقا مباشرا أو التوصل بنوع من الكشف والإلهام إلى المعارف العليا ، ازدهرت في القرن الثاني وانتشرت في مصر ، ثم امتدت إلى اليهودية فالإسلام . ( د . حربي عباس عطيتو ، ملامح الفكر الفلسفي والديني ، الإسكندرية ، سنة 1413 ه / 1992 م ، ص 268 ) . ( 1 ) غلاب ( محمد ) ، مشكلة الألوهية ، دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة ، 1366 ه / 1947 م ، ص . ص 22 - 24 . ( * * ) إتمان : معنى هذه الكلمة " الفيداته " أو الجوهر اللاشخصي ، وهذا الجوهر في كل كائن حي أو جامد حقيقته الجوهرية المطلقة الأزلية الأبدية . ( مشكلة الألوهية ، ص 124 ) .